إيناس شري

ليت لسارة قصّة أخرى

لم استطع النوم تلك الليلة، قصّة سارة لم تفارقني. أعرف أنّها ليست الوحيدة التي قتلها زوجها، فقد قرأت وسمعت عن منال ورولا وأخريات. ثمّ لما أفكّر بالأمر وكأنّ تعنيف المرأة فعل يأتي خارجاً عن المألوف أو دخيلاً على الواقع المعاش.
فأنا مثلي مثل أي فتاة أو امرأة أعرفها، شاهدت العنف أو اختبرته، الحمد لله أني أنا ومن حولي ما زلنا على قيد الحياة، وأنّ العنف الذي مورس ضدنا كان “مخفّفاً” و”رؤوفا”!
رسمت لقصة سارة نهايات عدّة، تخيلتها جالسة مع حفيداتها تخبرهن بفخر أنّ صبرها على زوجها أتى ثماره. وأنها كانت محقة حين خافت “البهدلة” و”لملمت الموضوع”. أخال زوجها يدخل عليهن ويقبل يدها منحنياً، فتهمس في أذن حفيدتها الصغيرة قائلةً: “الله يسامحه، الرجل عندما يكبر يصبح مثل الطفل، توقف عن ضربي منذ تزوجت والدتك، كاد أن ينكسر كتفي في تلك الليلة ولكنّ الله عطبه، ومن وقتها تاب، متل ما شايفتيه لا من إيدو ولا من أجره”.
تخيلت سارة في مشهد آخر، رأيتها تقف على باب المحكمة يدها بيد ابنها الوحيد الذي لم يتجاوز الثالثة من العمر. رأيتها تغمره وتقول له بلهجة صارمة: “نعم سجنت والدك كي أعيش، كي أحمي نفسي وأحميك، هو من جنى على نفسه حين فكّر بتعنيفي”.
تخيلت سارة تركض في الشارع هاربة وهو يلحق بها فتدهسه سيارة، تخيلتها تصرخ فتأتي الجارة وتموت بدلاً منها، رسمت مشاهد تشبه أفلام السينما، ولكنّني لم أستطع تخيلها قتيلة.
فكّرت بأمور كثيرة في تلك الليلة فكّرت بأمي، بصديقتي، بابني، بسائق التاكسي الذي أخبرني عن ابنه في السجن قائلاً: “الحبس للرجال يا بنتي”. أغمضت عيني متمنية ألا يكون الحبس للرجال حتى لا ينجو زوج سارة كما نجا من قبله.

بالكاد خاطرة (2)

كان السكون يملأ المكان، يسحب يده ببطء متعمّد، يمسح جبيني حيناً وقلبي حيناً آخر، يربت على كتفي فيغفو العمر في غفلة منّي.
أذكر أنّني لمحتك تمرّ، لم أقوَ على فتح عيني، كان النعاس حارسي الوفي. مددت يدي ودعوتك كي تستريح. أو ربّما لم أمدّها، ولم أدعُك؟ أنا من يحتاج إلى الراحة. لا أعرف إن فعلت أم لا، ولم أعد أذكر. بالتأكيد رغبت في دعوتك مرّات ومرّات، مع أنّك مررت مرّة واحدة.
ثقيلة كانت حركتي، تعبة كأيامي التي حاولت ادخارها معك، ولكن سدىً وهباء ضاعت محاولاتي. حاولت وحاولت، أمّا اليوم فلا حول لي ولا قوة، ما عاد عطرك يُغريني ولم يعد جبينك وجهتي.
بأسف أنعيك اليوم، ولكن يفرحني ويسعدني أنّك لم تعد كمرورك في بالي عزيزاً قريباً، فارقد بسلام ودعني أنفض السكون فللعمر بقيّة.

حصّتي من الحرب “إفراطٌ حركي”

كلّما أتت ذكرى الحرب الأهلية أبحث في ذاكرتي عن قصة أرويها، علّني أشعر أنني مثل من حولي، انتمي إليهم، وذاكرتي تشبه ذاكرتهم، فلا أجد ما يستحق أن يُروى.

سمعتُ بعض القصص عن الحرب من أناسٍ لا أعرفهم. أذكر مرّة أنّني التقيت قنّاصاً سابقاً “مش طبيعي” كما أخبروني. لم ألاحظ عليه شيئاً، كان طبيعياً بالنسبة لي، حتى أخباره لم تصدمني. صديقتي صُدِمت حين روى كيف كان يصطاد الضحية وكيف أنّه لا يعرف وجوه من قتلهم.

لم أتأثّر بكلامه، سمعتُ صوت القنص في قصّته. ولكن كيف لا أعرف القنص وأعرف صوته؟

كل ما أذكره عن القنص، عبارة واحدة قالتها أمي يوماً: “في قنّاص بهيديك المنطقة”. وصدقاً لا أذكر “هيديك المنطقة” ولا أشعر بشيء لا تجاه القنّاص ولا تجاه “هيديك المنطقة” ولا حتى تجاه هذه الحادثة.

سمعت أيضاً مرة قصة امرأة ذهب إبنها ليلعب أو ليشتري الخبز ولم يعد. لا أذكر تاريخ ضياع إبن هذه السيدة مع أنها حرصت على تكراره عشرات المرات في حديث لم تتجاوز مدته العشر دقائق. قالت حينها “حموت يا بنتي العمر سبقني بدّي أعرف وين ابني”.

تعاطفت مع هذه السيدة حينها وبكيت، ولكن ما أن غادرت حتى غادرتني السيدة وابنها والقصة.

اسمع الناس يتكلمون عن ليال طويلة قضوها في الملاجئ، فأشعر برائحة غريبة تتسلل إلى أنفي، وأحاول جاهدة أن التقط أي صورة من كلامهم لأعيد تشكيلها وأرسم صورة ملجأ كنت فيه يوما، ولكن من دون جدوى.

أعرف المزيد من القصص، قصص سمعتها أو قرأتها أو حتى اخترعتها لأكون جزءاً من ذاكرة جماعية للحرب.

أمّا قصتي أنا عن الحرب فلم أجدها حتى اليوم أو ربما لا أذكرها. أذكر أن أبي من فترة إلى أخرى يشكو من وجع في ركبته يقول أن السبب هو التواء حصل وهو يركض حاملاً أختي الصغيرة وأخي هرباً من القصف.

أبي لا يتكلّم عن الحرب، كلّ ما يقوله أنّه لم يحمل يوماً سلاحاً ولم ينتم إلى أيّ حزب أو ميليشيا.

حاولت مراراً أن أتذكر أي قصة عن طفولتي مرتبطة بالحرب، ولمّا لم انجح بحثت عن قصص أخرى، وحينها عرفت أنّ كل ما أذكره من طفولتي كثرة التنقّل من بيت إلى آخر، من منطقة إلى أخرى، وحال استعداد دائمة للهروب من القصف.

انتهت الحرب، واستقرّت عائلتي في بيت واحد، لكنّ الطفلة التي باتت تعاني من “إفراط حركي” ومن خوف يلازمها لم تفارقني إلى يومنا هذا.

بالكاد خاطرة (1)

كان اللقاء الأخير بينهما، حينها قررت أن تستغني عن بعض حواسها، خاطبت عينيها بصوت منخفض، سألتهما أن لا تريا، هددتهما بالعمى. عيناها نفّذتا من دون أي اعتراض. كانت الأمور تسير بشكل جيد، لم تنظر إليه أبداً، إلا أن رائحته ملأت المكان، تسربت الى رأسها، رسمت تفاصيل وجهه وجسده، رأته بأنفها، وكل ما فعلته عيناها هو التأكد من انه ما زال كما كان.

نحسبهم أمواتا

رأسي مقابر جماعية ولا أزال أخاف صحوة الأموات.
يصحون ليلاً، وتبدأ الجلبة، يروحون ويجيئون، لا يسمع صوتهم إلاً أنا. أسمع وقع خطواتهم وأعرف أن المعركة باتت قريبة وأنّني إذا استطعت مقاومتهم حتى الصباح سأنجو.
تتسارع دقات قلبي، أبدأ بقول أشياء غير مفهومة لا تشبه بعضها البعض، أسرع إلى شبّاك الغرفة ووقع خطواتهم يلاحقني، أقرر الانتحار هرباً منهم فأراهم هم أنفسهم يعيدونني إلى الحياة.
أفكّر قليلاً أقرر أنّ اجتمع فيهم وأن أهادنهم، أن اتفق معهم على شكل مرورهم، اقترح أن يمروّا خفافا، أن يمرّوا واحدا تلو الأخر، وقبل أن أنتهي من فكرتي الأخيرة أراهم يحاصرونني ضاحكين باكيين صارخين. يقتربون منّي أكثر، يتسللون إلى أوّلي ليقولوا أنّهم آخري وأنهم موجودون رغم المسافة ورغم الموت. يذكرونني أنني لا استطيع أن أكون وأن كل حاضري هو هم، هو من صُنع أيديهم.
في هذه اللحظة استجمع قواي أحاول أن أجمع بين أوّلي وآخري، أقرر أن أنظر في أعينهم مباشرة وأن أبدأ المعركة، ولكنني أكتشف أنّ الوقت داهمني وأنّ الليل أوشك على الانتهاء.
إذاً صمدّت حتى الصباح، نجوت وبقي علي أن أتحضّر لمعركة أخرى هذا المساء مع أحياء أحسبهم أمواتا.

يدنا “الصغيرة” قد تصنع عالماً أفضل

أسير بهدىً من يده الصغيرة، يرسم غيماً فنقفز فوقه معاً، يرسم مطراً فنركض ونختبئ.
يحمل ريشته، يخطّ ويمحو ما يريد،  يمحو الشمس يرسم قمرا. دعينا نسهر اليوم، ولم النوم؟ ما دام السهر معك أنتِ ولك أنتِ. دعينا نمحو القمر والشمس معاً. أنتِ الشمس أنتِ القمر أنتِ عالمي يقول.
يدك الصغيرة تصنع عالمي، أجيب.

يدك ترسم غدا أتمنى أن يكون أفضل. لم أكن أعرف قبل ولادتك أني مثل أمي وجدتي أبكي كثيرا وأخاف كثيرا. أنا مثل جدتك وجدتي أحمل خيبتي وخيبتهما معا، خيبة لأننا لم نعرف أن نفرض على العالم قوانين تحمينا، كما نفرض في البيت قوانين النوم والأكل والممنوع والمسموح. أنا اعرف أنّ لا شيء يشفع لي ولا شيء شفع لي، فأنت معي لأن رجلاً منّ عليّ بذلك. لم يشفع لي حملك تسعة أشهر ولم يشفع لي سهري ولا قلقي لم يشفع لي شيء ولا أحد.

أشعر بك تتحرك في سريرك ليلاً تطلق كلمات غير مفهومة، أعرف أن قلقي يتسلل إليك كلما غمرتك، وأعرف أنك تحاول فهم خوفي كلما همست بأذنك أني أحبك كثيرا وأني لا أطيق البعاد عنك. أكرر على مسمعك كل يوم أنني ذاهبة إلى العمل لأعود إليك، أقبلك ثم أعود من جديد وأكرر جملتي لتجيبني متململاً: “أعرف، أعرف”.

أنا من لا يعرف، أكرر العبارات نفسها كي أسمع منك عبارة ” يا رب”، يُقال أن دعاء الصغار مقبولٌ، وأنا مثل أمي وجدتي أقول “يا رب” لأبرّر ضعفي ووهني وحتى خيبتي في مجتمع ذكوري. على سيرة الله أتذكر عندما سألتني يوما إن كان الله ذكراً أم أنثى؟ حينها قلت لك إن الله يحبك ويخاف عليك وسيسامحك دائماً، فأجبتني من دون تردد إذا الله “ماما”.

لا يا حبيبي الله ليس ماما، كذبت عليك لأنني لم أعرف الإجابة. كُتب الله ورجاله يرَون أنك لست من حقّي وأنّ الأم لا يحق لها أن تربّي ابنها إلاّ بكنف والده. هل يعرف والدك مقاس قدمك الصغيرة؟ هل يعرف أن يسكتك ليلاً؟ هل يعرف قصص الجنيةّ الجميلة التي اعتدت أن أخبرك إياها منذ كنت نطفة في أحشائي؟ لا يهم إن عرف أو لم يعرف، ما يهم هو أنّه يعرف جيداّ أن الحضانة من حقّه. وأنّي حتّى ولو لم أعد زوجته لن أضحك لرجل آخر طالما أنت معي.

بني لا تثق بي ،لا تثق إلّا بحلمك وريشتك، امح القمر إن شئت وامح الشمس أيضا. ارسم ريحاً وجن كما تشاء. ولكن لا تثق بي.
خيبتي قديمة وهرمة  حتى الحزن ما عاد يليق بها.
مهلاُ لا تفقد الأمل يدنا “الصغيرة” قد تصنع عالماً أفضل